الذهبي
109
ميزان الاعتدال
فاستوى جالسا فقلت : أصبحت بحمد الله بارئا . فقال : أما إني على ما ترى بي ، جعلت لي معشر المهاجرين شغلا مع وجعي ، جعلت لكم عهدا من بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم من ذلك ورم أنفه ، رجاء أن يكون الامر له ، ورأيتم الدنيا وقد أقبلت ولما تقبل وهي جائية فتتخذون ستور الحرير ، ونضائد الديباج ، وتألمون من ضجائع الصوف الأذربي ، حتى كان أحدكم على حسك السعدان ، والله لان يقدم ( 1 ) أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا ، وأنتم أول ضال بالناس تصفقون بهم عن الطريق يمينا وشمالا ، يا هادي الطريق إنما هو الفجر أو البحر . فقال له عبد الرحمن : لا تكثر على ما بك ، فوالله ما أردت إلا الخير ، وما الناس إلا رجلان : رجل رأى ما رأيت ، ورجل رأى غير ذلك ، فإنما يشير عليك برأيه . فسكت . ثم قال عبد الرحمن ( 2 ) : ما أرى بك بأسا والحمد لله ، فلا تأس على الدنيا ، فوالله إن علمناك إلا كنت صالحا مصلحا . فقال : إني لا آسى على شئ إلا على ثلاث وددت أنى لم أفعلهن : وددت أنى لم أكشف بيت فاطمة وتركته ، وأن أغلق على الحرب . وددت أنى يوم السقيفة كنت قذفت الامر في عنق أبي عبيدة أو عمر ، فكان أميرا وكنت وزيرا . وددت أنى كنت حيث وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإلا كنت بصدد اللقاء أو مددا . وثلاث تركتها : وددت أنى كنت فعلتها ، فوددت أنى يوم أتيت بالأشعث أسيرا ضربت عنقه ، فإنه قد خيل إلى أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه ، وددت أنى يوم أتيت بالفجاءة لم أكن حرقته وقتلته سريحا أو أطلقته نجيحا . وددت أنى حيث وجهت خالدا إلى الشام كنت وجهت عمر إلى العراق فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله .
--> ( 1 ) س : لا يقدم . ( 2 ) س : يا عبد الرحمن . والمثبت في ل .